سريالية Journey ومتعة الاستكشاف من دون وجهة

محمد أبو الحسن طاهر — 8 مارس، 2012

“In this journey of life, even though we may begin at different times and places, our paths cross with others so that we may share our love, compassion, observations, and hope.”
– Steve Maraboli

Journey

“قمة الأشياء بداية عكسها”، ولهذا سأبدأ بخاتمة بدلاً من العكس، لأن اللعبة بدأت معي بوتيرة عظيمة: Journey هي تجسيد فعلي ومحسوس لتجربة سريالية ليس لها مثيل، تبدأ بقمتها العالية منذ البداية، ولا تنفك عن الارتفاع حتى النهاية.

أروع ما في Journey أنها تتجرد من العناصر المتعارف عليها في الألعاب حتى تغمس اللاعب في عالمها بالشكل المطلوب ومن دون أي إعاقة ذهنية تشتّت هذا الشعور. ماذا عن عداد طاقة؟ أسلحة؟ أو حتى مؤشرات تصميمية تبيّن تفاعل اللاعب مع البيئة؟ بدلاً من كل هذا، تسرد اللعبة نفسها أمام اللاعب بساحة تجوّل واسعة تثير حس الاستكشاف بشكل فريد ومثير؛ هي، بشكل أو بآخر، لعبة تجريدية. وهي بالفعل لعبة استكشاف، لا ميكانيكي فقط بل ذهني، فهي لا تنفك عن طرح الأسئلة -بصمت- من دون حوارات أو مقاطع أدرينالينية، وهذا ما يطابق فهمي وتعريفي للسريالية، العنصر الذي لطالما رأيته في بقية الأوساط الفنية وقلما تواجد في الألعاب. ولكن في النهاية، على الألعاب أداء دورها الأهم، وهو تقديم قالب لعب رئيسي، فكيف تقدّم تجربة سريالية مميزة من دون الاحتكاك بالأفلام (تصويرياً) أو الروايات (كتابياً)؟

فنياً، تقدّم Journey ما أعتقد أنها أفضل تجربة تفاعلية على الشبكة بين اللاعبين، وهو ما رأيناه من لعبة Demon’s Souls، والتي غيّرت فكرة التفاعل بين اللاعبين لتتناسب مع ميكانيكية اللعبة وجوها. تقوم Journey بتقديم ذات الفلسفة مع دفع الدفة لأسلوب فني مركّز؛ تجريد الخواص التفاعلية مع اللاعبين قد يكون أفضل قرار تصميمي واجهته في اللعبة. ستقابل بعض الشخصيات في اللعبة، ولكن جميعهم لاعبون حقيقيون مثلك. تترنّح اللعبة ما بين تقديم بيئات عازلة وموحشة، وبيئات مفتوحة. لن تصادف لاعبين في جميع البيئات، وهو ما يجعل من لقاء الشخص الآخر مناسبة تحتفل بها صامتاً. الوسيلة الوحيدة للتواصل بينكم زر واحد، عبارة عن نداء بنبرة موسيقية منك. لوحدك، هذا الزر هو ما يفعّل بعض عناصر البيئة، ولكن عند تواجد لاعب آخر، يقوم هذا النداء بزيادة عداد القفز لدى الشخص الآخر، مما يجعلكم (في بعض المناطق) قادرين على الوصول إلى منصات أعلى، والأهم: البلوغ إلى مراتب لا تستطيع الوصول إليها بطريقة أخرى.

واقعياً، لا تحتاج إلى لاعب آخر حتى تلعب Journey، ولكن لحظة اكتشاف تواجد شخص إضافي هي مدهشة في كل مرة. ما أن نتصادف حتى نقوم بمناداة بعضنا البعض بشكل متكرر، لا للتنبيه عن خطر، ولكن للتعبير عن الفرحة؛ قد تعتقد أن مقابلة أناس آخرين يسلب أحادية الشعور هيبتها، ولكن بعض المناطق التي صادفتها أعطتني شعور عزلة قاتم لم يصلني حتى من الألعاب التي سطعت في هذا المجال، وقد تكون Metroid Prime أبرزها. يندمج هذا الشعور في بعض المناطق المتقدمة بشكل رائع ومغاير لما بنيته مسبقاً في المناطق الأولى، وإذا كانت اللعبة تغزل عزلتها بحياكة بارعة، فهي أيضاً تسرد شعور الإنتماء بين الأشخاص الذين تقابلهم بشكل لم أصادفه بأي لعبة فيديو من قبل. يأتون ويذهبون، ولا تعرف من هم؛ تعرف أنك التحمت معهم، وهذا كل ما يهم.

مظهر اللعبة مذهل؛ صفاء حدة الرمال ونقاوة التصاميم يخفيان أنها لعبة بالمعنى اللفظي، وأرى أنها تقوم بهذا العمل إجمالاً بشكل رائع. اختيار الألوان يضاف إلى سجّل الخيارات التصميمية العبقرية في اللعبة، وهو أمر ذكره المطور مؤخراً؛ تناسق ألوان البيئة (كالصحراء) مع العناصر الأخرى (كالشخصيات بثيابها الحمراء) مريح للبصر، بالإضافة إلى كونه دلالة على عنصر مهم يستدل به اللاعب، وفنياً هو اختيار صائب لأنه لا يرجّح كفة الإرشاد على حساب الانغماس. هذا أيضاً مُلاحظ حين تغامر مع شخص آخر، فإذا ابتعد أحدكم عن الآخر تضيء أحد حوائط الشاشة، إشارة منها على مكان تواجد الشخص الآخر — من دون عرقلة التقدّم أو حتى البحث عنه. هذه التفاصيل الصغيرة في اجتماعها تقدّم تجربة فنية منحوتة ببراعة يصعب وصفها بكلمات، وأعتقد أنها المرة الأولى التي أنهي فيها لعبة من دون الضغط على زر Start. هي محبوكة لهذه الدرجة.

يؤمن Salvador Dali بوجوب تزاوج السريالية مع تقديم عمل فني صلب ومتماسك، وعدم توظيفها اسماً لا مضموناً، وهو ما أسعدني وجوده في Journey؛ تجريدها من بعض المفاهيم وتوجّهها السريالي لم يخلقا فوضى فنية من عدم، بل كان ارتباط وثيق ومزيج مدهش وعبقري، لأنها وظّفت كل هذه الأساليب الفنية لخلق لعبة تفاعلية، لها هدف وغاية، ومع أن العنصر الفني مترامي في جميع أنحاء اللعبة، إلا أنها مثال صارخ لما يمكن تقديمه في الألعاب فنياً من دون اللجوء إلى عناصر ثانوية. تهميش العديد من “قوانين” الألعاب دائماً ما يكون قرار يصعب تنفيذه بأسلوب ممتع، ولكنه يصب في قعر البئر هنا. هل القوانين وجدت لخرقها؟ ليس بالضرورة، بل أشيد بضرورة محاذاة الخطوط الحمراء في الحياة، ولكن Journey تخالفني في جوانب عدة.

ألعاب الفيديو فن رائع لا يكف عن إبهاري على نحو مستمر، وكمية الألعاب المميزة والفريدة في ازدهار أكثر من أي وقت مضى، ولكن هناك ألعاب تتطلب منك التوقف والتفكر قليلاً؛ هناك ألعاب تغيّر من مفهومك للصناعة ككل وما من جدران بإمكان المصممين تحطيمها. Journey هي أحدها.