ريادة إرباك الأسواق ونظرة أكثر شمولية للمستقبل

محمد أبو الحسن طاهر — 12 يونيو، 2012

قبل أن أبدأ أريد أن أشرح المعنى المقصود من «ربكة». هي ترجمة لكلمة disruption والتي لا أعرف الترجمة المناسبة لها. من الممكن ترجمة «ربكة»/«إرباك» إلى confusion وهو ما لا أقصده هنا. إلى أن أبحث عن ترجمة أفضل، أريدك أن تقرأ أي معنى لكلمة ربكة في هذه المقالة على أنه disruption (تشتيت السوق) وليس confusion.

هناك عدة أنواع للابتكار، سأتحدث عن نوعين في هذه المقالة. Disruptive Innovation، وهو ابتكار (أو في هذه الحالة: منتج) غير متوقع يستولي على حصة كبيرة من السوق، ويسبّب تغيير معالم هذا السوق بشكل واضح. النوع الثاني Sustaining Innovation، وهو ابتكار (أو منتج) يكمل عملية التشتيت التي قام بها المنتج الأول (الذي انفرد بابتكاره وغيّر من السوق) من دون تشتيت آخر جديد، أي كأنه يواصل المسيرة التي بدأها المنتج الأول.

ما هي الربكة بكل الأحوال؟

أفضل مثال قد أطرحه هنا هي صيغة MP3 واسعة الانتشار. بعد أشرطة الكاسيت أصبحنا نسمع الموسيقى عن طريق إسطوانات، وكان سوق الموسيقى لا يزال يبيع بشكل ممتاز رغم سهولة قرصنة هذه الإسطوانات. تغيرت معالم القطاع الموسيقي بالكامل بعد انتشار صيغة MP3 للأسباب التي نعرفها جميعاً: صيغة أفضل، حجم أقل من دون التضحية بالجودة، سهولة التوزيع بين الأصدقاء (أتذكرون Kazaa وبرامج مشاركة الملفات المشابهة؟)، والأهم أنها أسهل من الإسطوانات. آبل أنقذت القطاع الموسيقي عن طريق تسهيل عملية شراء الأغاني من خلال متجر موحّد بحساب خاص يجمع كل مشترياتك في مكان واحد. مع وجود متجر آيتونز أصبحت القرصنة تتطلب وقت أكثر من شراء الألبوم مباشرة. مجموعة كبيرة من الناس تقرصن لأن نتيجة هذه القرصنة أفضل من نتيجة الشراء، وهذا واضح في الأفلام: الفيلم المقرصن لا يحتوي على أي دعايات أو شاشات تحذيرية بينما أقراص بلو-راي تحتوي على 4 شاشات تحذير قبل بدء الفلم. عندما تقدّم الأفلام للجمهور بطريقة ممتازة، لن يبخلوا بالدعم والشراء.

مثال آخر ممتاز لإرباك السوق، وأعتبره مثالي المفضل، هو جهاز Nintendo Wii. لمدة ثلاث سنين متتالية كان الجهاز ينفذ من كل المحلات. هذا أمر غير مسبوق. أطفال صغار، أمهات، آباء، وحتى أجداد: نينتندو ويي جهاز ألعاب موجه للجميع وليس لفئة «المحترفين» فقط. لهذا Vita غير ناجح الآن، لأن جمهور المحترفين هذا — رغم عشقه وكمية الوقت التي يضعها في هذه الصناعة — لا يمثّل إلا هامش بسيط من عدد اللاعبين الكلي، ورغم أن فيتا جهاز رائع بكل المقاييس إلا أنه لا يحتوي على ألعاب من العيار الثقيل موجهة لهذه الفئة من اللاعبين. اللاعب العادي لا يفكر «أريد أن أشتري الجهاز لأن مواصفاته عالية!» (هذا لن يهم) بل «أريد أن أشتري الجهاز لتجربة كذا وكذا». مع نينتندو ويي، كانت اللعبة هي Wii Sports. الكل أراد تجربة التحكم الحركي، ورغم أنه ليس الأول (سوني نشرت عدة ألعاب تعتمد على الحركة باستخدام كاميرا EyeToy) إلا أن نينتندو استطاعت نقل الفكرة من مجرد «gimmick» (وسيلة لعب فرعية غير مهمة) إلى أسلوب لعب رئيسي ومركّز.

في حين تركيز الشركات الأخرى — سوني ومايكروسوفت — على الإذهال التقني، قدمت نينتندو تقنية لا تختلف كثيراً عن تلك الموجودة في جيم كيوب (تقنية من عام 2001!) لكنها كسرت الحاجز الافتراضي ما بين اللاعبين والأفراد العاديين، أولئك الأفراد الذين لا يصنّفون نفسهم على أنهم «لاعبين» ولا يهتمون بمجتمع اللاعبين ولا الصناعة. استطاعت نينتندو جذب فئة جديدة كلياً لألعاب الفيديو، وهذا أمر في غاية الأهمية (بغض النظر عن عويل الجمهور المحترف من اللاعبين) — كلنا بدأنا من الصفر، وأغلبنا — نحن اللاعبين — لا نعرف شعور البدأ من الصفر ولذلك لا نفهم الوسائل التي تقوم بها الشركات لجذب المزيد من الأشخاص وتحويلهم إلى لاعبين. بعد النجاح الهائل للربكة الجديدة التي بدأتها نينتندو، أراد الجميع مشاركة الكعكة؛ سوني قدّمت تقنية Move (لعب حركي) ومايكروسوفت قدّمت Kinect (لعب حركي). نينتندو غيّرت مجرى سوق الألعاب بشكل غير متوقع، وغير مسبوق منذ جهاز NES الذي قدّم أداة تحكم جديدة تحتوي على أسهم توجيهية (بدلاً من عصا طويلة للتحكم وزر واحد). تمكّنت نينتندو من إعادة خلق ثورة NES مع جهاز الويي، وإعادة خلق تأثير ماريو على الصناعة مع Wii Sports.

استطاعت آبل مع نظام iOS تقديم ربكة جديدة في سوق المحمول أيضاً: تستطيع شراء الألعاب مباشرة من جوالك، وتشغيل لعبة ليس بذاك الأمر الذي يستهلك طاقة فكرية أو أي جهد؛ لا تحتاج لحمل جهاز ألعاب منفصل وخاص بالألعاب، كل ما تحتاجه هو جوالك الذي تستخدمه على الدوام. الفرق هنا أن خطة نينتندو تبدو لي — من وجهة نظر شخصية، على الأقل — مدروسة، بينما الحاصل مع iOS وألعابه ما يسمى بـ«الإمبراطورية المفاجِئة»، أي أن آبل نفسها لم تتوقع هذا الانفجار الهائل للألعاب على نظامها. نحن نتحدث هنا عن آبل، الشركة التي كانت تؤمن في بداية إطلاق الآيفون أن تطبيقات الويب (web apps) هي مستقبل المحمول، وليس متجر تطبيقات منفصل بلغات برمجة كثيفة.

مع نظام iOS أصبحنا نرى تسعيرة جديدة للتطبيقات والألعاب، والسعر الذي فرض نفسه على السوق هو 0.99$ أو 99 سنت. دولار واحد. دولار واحد فقط يتيح لك إمكانية تحميل تشكيلة واسعة من التطبيقات والألعاب، ورغم أنه ليس سعر ثابت لكل محتوى المتجر إلا أنه السعر الذي يفكر فيه المطور حتى قبل بداية تطوير التطبيق. الفارق الجوهري هنا هو أن السعر لا يعبّر عن جودة التطبيق — بعضاً من ألعابي المفضلة على الجهاز (Slingshot Racing و Dungeon Raid و Jetpack Joyride كأمثلة) تقدّم متعة كبيرة، شبيهة أسلوباً بألعاب الآركيد؛ بسعر منافس ورائع. تستطيع الحصول على ألعاب وتطبيقات رائعة بدولار واحد، أرخص من كوب قهوة سيء. هذا يغيّر الكثير من المفاهيم.

نقلت آبل هذه الفلسفة إلى نظامها OS X: النسخة الأولى من تطبيق Aperture (موجه لفئة المصورين المحترفين) مسعّرة بـ400 دولار. هذا في عام 2005. أعلنت آبل عن النسخة الثانية في فبراير من 2008 بسعر 200 دولار، والآن Aperture 3 (فبراير 2010) موجود في متجر التطبيقات الرسمي للماك بسعر 80 دولار. هذا ينطبق أيضاً على برنامج آبل الموسيقي Logic Pro وحتى أنظمة التشغيل الجديدة: Mountain Lion يتوفر لمستخدمي ماك بعد شهر بسعر 20 دولار. 20 دولار!

المشكلة التي تواجهها نينتندو (وآبل أيضاً) هي المحافظة على هذا القدر العالي من التأثير. Wii U لن يتفوق على Wii. هذا توقع سهل ولا يتطلب الكثير من التفكير؛ ويي قدّم ربكة ثورية في سوق الألعاب (disruptive innovation)، وما أتوقعه من جهاز ويي يو هو المحافظة على هذه الربكة (sustainable innovation) رغماً عن كونه لا يملك ذات النفوذ والتأثير الموجود لجهاز ويي. شاهد التحول من Nintendo DS إلى 3DS لترى ما أقصد. 3DS جهاز ناجح حتى الآن، لكنه لم يصل إلى مستوى DS، وعلى عكس Wii U أرى 3DS محاولة نصف بائسة من نينتندو للإتيان بأسلوب لعب جديد، على عكس Wii U الذي يبدو أنه تطور رائع لميراث الويي.

***

أعلنت آبل مساء أمس عن الجيل الجديد من أجهزة MacBook Pro. تستطيع رؤية تأثير MacBook Air على هذا الجيل الجديد من أجهزة الماك بوك برو: إزالة محرك الإسطوانات، إزالة فتحات Ethernet و FireWire، تصميم أنحف، وزن أقل، بطارية طويلة. لكن هذا ليس كل شيء: اللحظة الأكثر إذهالاً في المعرض هي لحظة الكشف عن الشاشة عالية الوضوح للجهاز. في إطار حجمه 15 إنش، ستحصل على شاشة عالية النقاء بأبعاد 2880 في 1800 (أي أكبر من أبعاد جهاز آي ماك ذو 27 إنش)، بكثافة 200 بيكسل لكل إنش. هذا معيار جديد عالي لا يصدّق — آبل بدأت الخطوة الأولى نحو ويب أفضل من الورق، ويب عالي النقاء، وبيئة عمل هائلة.

مقارنة مع جهاز الماك بوك برو ذو 15 إنش الآخر: الجديد يحتوي 4 أضعاف الأبعاد في نفس الإطار — 15 إنش — من دون التضحية بأي سرعة أو عمر بطارية. هذا هو معيار آبل المتعارف عليه، وحافظت عليه هنا.

هذه الشاشة تشكّل تحدي جديد لمحتوى الويب: كيف تصمم صور رائعة تستغل هذه الشاشة من دون التأثير على أصحاب الشاشات العادية، وما هي الطريقة الأمثل لتقديم هذه الصور بطريقة عملية؟ هذا موضوع لوقت آخر، لكنها زاوية نقاش مثيرة للاهتمام. الشاشة التي قدمتها آبل مع iPhone 4 هي الربكة الثورية (disruptive innovation) لمحتوى الويب، وكل ما قد تقوم به بعد ذلك مع الآيفون قد لا يكون بنفس الوزن والتأثير. ما فعلته آبل مع الجيل الجديد من ماك بوك برو ليس مفاجئ، بل استمرارية للربكة (sustainable innovation) التي بدأتها على أجهزتها المحمولة لكن بشكل أكبر وأوسع. شاشات الريتينا على كلاً من iPhone 4/4S و iPad 3 بيّنت عيوب لم تكن واضحة أو ملاحظة في السابق على الويب (اقرأ هذه المقالة)، ورغم أنها أثرت بشكل واضح وإيجابي في تطوير معايير أفضل للغات التصميم HTML و CSS، إلا أن النشاط الحقيقي نحو ويب أفضل سيبدأ من هذا الجيل الجديد من أجهزة آبل المحمولة.

المستقبل يبدأ الآن.