توظيف المشاعر رمزياً في ألعاب الفيديو

محمد أبو الحسن طاهر — 8 أكتوبر، 2012

هذه المقالة منشورة في مجلة The City الكويتية، عدد سبتمبر. النسخة الورقية تُوزّع لمجموعة من المقاهي منها Caribou Coffee.

١

ألعاب الفيديو صناعة رائعة في جوهرها ومثيرة للاهتمام، فهي تجمع أنواعاً عدة من الفنون في قالب واحد: موسيقى، رسوم، كتابة، برمجة؛ كلها تتشكل في إناءٍ واحد. ما يجعل هذه الحزمة من الفنون مثيرة هو أنها تجمع الماضي بالحاضر المستقبلي، فلدينا فن الموسيقى والذي كانت نشأته في العصر الحجري (وربما قبل ذلك)، مع جمال الرسم الذي عهدناه منذ آلاف السنين، تتزاوج مع التكنولوجيا وفن البرمجة الذي نشأ — بقالبه التفاعلي — في السبعينات من القرن الماضي.

هذا المزيج الغريب أدى لنشأة نوع جديد مما أسميه الآن بالفن التفاعلي، ولا يوجد شك بهيمنة ألعاب الفيديو على مختلف المجالات الترفيهية، فمع تصدّر إطلاق لعبة Call of Duty: Modern Warfare 3 واعتبارها أكبر حدث ترفيهي جنياً للأرباح، تتضح لنا معالم هذه الصناعة والقليل من مستقبلها الواعد. كول أوف ديوتي ليست بحالة استثنائية، حيث أعلنت مايكروسوفت أن الميزانية التسويقية لجهازها Kinect (والذي يتيح اللعب عن بعد) تتعدى النصف مليار دولار، ومبيعات جهاز PlayStation 2 تخطت ما مجموعه مائة مليون جهاز مباع. هذه كلها دلائل تبيّن لنا الحجم الهائل التي وصلت إليه صناعة الألعاب وتسلسل عملية التصميم؛ تلك التي انبثقت من أناس فرادى بأفكارهم البسيطة كلعبة Pong، إلى ستوديوهات تطويرية تصل إلى مئات الأشخاص وبميزانيات تطوير مكلفة (وفي بعض الأحيان فلكية).

هذا لا يعني أن ألعاب الفيديو صناعة قائمة على أصحاب الملايين حصراً، فهي لا تزال تقدّم فرص تطويرية للمطورين المستقلين وبتوجّه أوسع عمّا مضى ضمن قوالب فنية عديدة، وما يميّز الألعاب عن نظيراتها من الوسائط الفنية أنها تنفرد بعنصر هام ورئيسي: التفاعل المباشر. إذا كانت الكتب تصنع وحياً من الكلمات، والأفلام تصوّر هذا الخيال إلى واقع مرئي بإخراج لافت، تضع الألعاب عنصراً جديداً على الطاولة؛ أسلوب تفاعلها وحيويتها يجعلها قادرة على لمس اللاعب بأسلوب مباشر وشخصي أكثر من بقية الأوساط الأخرى، لأنها تغمسه في بيئات وعوالم وشخصيات مختلفة — عوضاً عن مجرد تصويرها مرئياً، تقوم الألعاب بفرد بيئتها وقوانينها لك لتحوّرها وتغيّر من ملامحها بالأسلوب الأنسب لك. الأميرة تائهة على الدوام، وماريو يحاول إنقاذها بأفكار جديدة على الدوام أيضاً — هي لن تنقذ نفسها بالتأكيد، حتى لو استطاعت ذلك.

الألعاب هي بالفعل وسيلة الترفيه المثالية للخروج من ضغوط الحياة اليومية؛ يسافر فيها الشخص إلى عالم مغاير عن عالمه، حيث المصاعب لا تتعدى كونها حفرة أو مضمار سباق أو جيش وهمي. لكن… هل هذا فعلاً سقفها الوحيد، أم أنها تحوي أبعاداً أخرى بالإمكان الوصول إليها؟

٢

رغم أن جميع الأمثلة التي ذكرتها في الأعلى مسلية ومثيرة، إلا أن ألعاب الفيديو تقدّم بعد فني وعاطفي يختلف عن بقية الأوساط الفنية بأسلوب فريد يصعب تمثيله خارجها. لعبة Journey مثال صارخ على ما أعنيه، فهي لعبة تجريدية بالمعنى، أي أنها تجردت من مفاهيم عديدة في الألعاب لأجل إيصال فكرتها إلى اللاعب: في Journey، لا يوجد عداد طاقة ولا أسلحة، لا محادثات ولا عروض درامية؛ تستكشف الصحراء بواسطة شخصية ذات عباءة حمراء هدفها الوصول إلى قمة الجبل. هذا التقديم التجريدي يجعل نطاق رؤية اللاعب موجّه إلى نقطة واحدة: الاستكشاف في الصحراء والصعود إلى الأعلى.

Journey

تتوهّم في البداية أن اللعبة لا تحتوي على أعداء؛ بالأحرى لا تحتوي على أي كائن حي يشاركك شغفك في الاستكشاف… أو هذا ما تظنه. رأينا جميعاً كيف تقوم الألعاب بتوظيف أطوار لعب جماعية على الشبكة من منافسة ومساندة، بهدف خلق جو لعب تفاعلي بين اللاعبين وليس فقط بين اللاعب والذكاء الاصطناعي. تقوم Journey بتقديم هذه الخاصية ولكن بأسلوب مغاير تماماً لما ألفناه في الألعاب الأخرى: إذا كنت متصل على شبكة البلاي ستيشن، تقوم اللعبة بربط بيئتك مع شخص آخر، وستتشاركون المغامرة مع بعض وبأسلوب غير معتاد. المثير هنا هو أنك لا تستطيع التفاعل مع اللاعب كما بالسابق، فاللعبة لا تدعم المحادثة الصوتية أو الكتابية، ولا تستطيع معرفة اسم اللاعب حين رؤيته. ما تقدمه اللعبة هو زر واحد، عند ضغطك له تقوم بإصدار نبرة موسيقية يتعرف من خلالها اللاعب الآخر عليك. هذا الصوت هو الرابط الوحيد بينكم، ويبيّن عمق التفاعل الفني فيه، حيث ستلاحظ أنك لن تُقلق الشخص الآخر برسائل مزعجة ولن يستدرجك هو بدوره بعيداً عن الانغماس الذي تعيشونه معاً في الصحراء.

هذه المغامرة الصامتة والساحرة تقدّم أفضل أسلوب لعب تعاوني شهدته الألعاب منذ فترة طويلة، وثورة سريالية في أسلوب اللعب قد لا تُلاحظ في الوهلة الأولى؛ كون العالم الذي تتوغل فيه فارغ من الأرواح، رؤيتك للاعب آخر (والتي تتم عن طريق الصدفة ومن دون أي تدخل منك) دائماً ما تضيف بهجة عارمة، لا لحاجتك الفعلية إلى شخص آخر حتى تكمل الرحلة، بل لإضافته على العزلة القاتمة التي تعيشها لوحدك. في كل مرة أصادف فيها لاعب آخر، نقوم كلانا بإصدار الأصوات الموسيقية تعبيراً عن الفرحة التي تعترينا، ومع أنني أؤمن بلزومية التخصص في التقديم إلا أنني أرى تطبيق مثالي ونادر للازدواجية هنا، فمع أنها تقدم بيئة ساحرة ومثيرة للاستكشاف الفردي، إلا أنها لا تزعجك بتدخلها على عزلتك في لحظة تقديمها لاعب إضافي إليك، وحين تتقدّم لعبة بهذا النوع من التوجّه الذي يكسر أحد القوانين المتعارف عليها أؤمن تماماً بإمكانية تقديم زاوية فنية جديدة في عالم الألعاب؛ لا بالضرورة مألوفة، ولكن مثيرة للاهتمام على أقل تقدير.

هذا الارتباط الوثيق بين الشخصيات لا يشترط وجود لاعب آخر فعلي حتى يترسّب تأثيره على أحاسيسك، ففي لعبة المصمم Jason Rohrer القصيرة Passage والتي لا تتعدى مدتها الخمس دقائق، يقدم المطور تشبيهاً فنياً — رغم بساطته مظهراً — عن الحياة. في Passage، تتحكم بشاب يافع داخل شاشة مستطيلة تتسع أفقياً على المدى الطويل لتوضّح طريق حياتك. أمامك خياران: التوغل إلى الأسفل للبحث عن الكنوز (والتي تتشبّه على أنها إنجازات دنيوية) أو السعي أفقياً لليمين وإكمال مشوار حياتك. الطريق الأول يتعقّد كلما توغلت عميقاً في الأسفل، بينما الطريق الأفقي سالك ولن تواجه فيه أي عراقيل ومتاهات. في أول ثواني اللعبة ستقابل امرأة، حين مرورك عليها ستظهر علامة قلب حب كإشارة على ارتباطكما ببعض. هنا تبدأ الأمور بالتعقيد: في حين أن الطريق الأفقي لا يزال آمن وسهل، أصبحت عملية البحث عن الكنوز في الأسفل أصعب، لأنك تمشي مع زوجتك وبالتالي تشغل حيّز شخصين بدلاً من شخص واحد، مما يعني أنك لن تستطيع التجوّل في الكثير من الفتحات والمتاهات التي تحتوي على الإنجازات.

Passage



Passage، رغم قصرها وبساطتها مظهراً وأسلوباً، استطاعت تقديم تجربة فنية يصعب وصفها بمجرد كلمات. تستطيع الابتعاد عن المرأة، مما يجعل منك حرّاً أعزباً، أي: سيصبح بالإمكان التوغل أكثر في الأسفل بحثاً عن المزيد من الكنوز والإنجازات. ستبقى وحيداً، ولكنك ستحقق الكثير من أحلامك. بالمقابل، تستطيع الزواج من المرأة بدلاً من “الهرب” منها، والذي قد يثقل من كاهلك ويمنعك من تحقيق العديد من أحلامك، ولكنك ستبقى مع من تحب، على طريق آمن، مع بعض المغامرات البسيطة إن أردت. الفلسفة السريالية في التقديم رائعة رغم عدم طفوها على السطح، والتوجّه الروائي الموجود في اللعبة (والصامت أيضاً) ما هو إلا دلالة أخرى تؤكد لنا أحقية الألعاب بمشاركة الأفلام والكتب نصيب الشاعرية، لأنها تقدم هذه الشاعرية في الطرح من دون زوايا إخراجية أو خواطر أدبية، بل تجعل من عامل التفاعل خادم ووسيط لإيصال رسالتها.

ليس بالضرورة أن يكون مصدر هذه المشاعر هو الحب أو الارتباط بشخص آخر، فألعاب مثل Limbo و Dark Souls — رغم كآبتها منظراً وفلسفة — قادرة على غزل نوع آخر من المشاعر بداخلك: الخوف من المجهول، والتفاعل مع العالم المحيط على أنه وحش عملاق، حتى ولو كان هذا العالم في بعض الأحيان خاوي من أي خطر فعلي. Bastion أيضاً مثال ممتاز يستحق الذكر، ففي مركز جمال رسومها وأصالة موسيقاها يوجد حزن أليم يلمس الجانب الإنساني بأسلوب مثير، ويتطلب تدخّل حازم وفرض الحلول المصيرية على العالم المهشّم أمامك.

٣

بالفعل، قد تحتوي الألعاب على مزيج رائع من الفنون الأخرى، ولكنها تبرز تفاعلها مع اللاعب بأسلوب فريد لا يمكن تطبيقه أو حتى محاكاته في تلك الوسائط. تصوير الحياة بهذا الأسلوب، من دون أي محادثات أو مشاهد درامية، يلمس الإحساس البشري أكثر من الأسلوب المعتاد في إيصال الرسائل، لأنه يجعل من اللاعب مفتاحاً للفلسفة المقدمة ومن دون حقائق مفروضة من المصمم أو المخرج أو الكاتب. هذا التوجه التجريدي والسريالي يرينا أن الألعاب قادرة بالفعل على خلق تجربة تسمو للفنون الأخرى نبالةً وحرفة، ورغم أن ألعاب الفيديو لا تزال صناعة حديثة العهد، إلا أنها مهّدت الطريق لمستقبل واعد ومزدهر فنياً. قد تكون ألعاب الحروب والأحداث الدرامية ممتعة، وهي كذلك من دون شك، فالألعاب هدفها الرئيسي في النهاية تقديم قالب لعب ميكانيكي ممتع وجذاب تحت أي ظرف تصميمي؛ ولكن ما الحياة من دون جرعة فكرٍ وفلسفة؟